سمير العلايلي يكتب .. التمويل الاستهلاكي في مصر (2): التحصيل وحماية البيانات — مشكلتان، وحلّان جاهزان

في مقالٍ سابق تناولتُ الأسئلة البنيوية الثلاثة التي أثارها النقاش بين الأستاذ هشام عز العرب والأستاذ عبد العزيز الصعيدي حول الإشراف الرقابي على التمويل الاستهلاكي. وإذ يتصاعد النقاش العام — بشهاداتٍ نشرتها صحف قومية عن ممارسات تحصيلٍ قاسية وانتهاكاتٍ للخصوصية — أرى من الإنصاف أن نفصل بين أمرين: المشكلة الحقيقية التي يعانيها المواطن، والحل العملي القابل للتطبيق. فالغضب وحده لا يبني نظاماً، والدفاع وحده لا يحمي سمعة قطاعٍ بات ركيزةً في البنية المالية المصرية.
المشكلتان الأكثر إلحاحاً — كما تكشفهما الشكاوى المتكررة — مشكلتان تشغيليتان قبل أن تكونا رقابيتين: التحصيل، وحماية بيانات العملاء. ولكلٍّ منهما حلٌّ جاهز، لا يحتاج إلى تشريعٍ جديد بقدر ما يحتاج إلى إرادةٍ في التنفيذ.
**المشكلة الأولى: التحصيل بين القانون والتنفيذ**
أنصف المشرّع المصري الدائنين حين عدّل أحكام الشيكات المرتجعة، فأصبح استصدار الحكم القضائي في حالات التعثر أمراً ميسوراً نسبياً. غير أن الفجوة لم تعد في الحصول على الحكم، بل في تنفيذه. فبين صدور الحكم وتحصيل الحق مسافةٌ طويلة، يضيع فيها حق الدائن، ويُترك فيها التحصيل لجهاتٍ غير منضبطة تلجأ — كما توثّق الشكاوى — إلى أساليب الترهيب والابتزاز والمساس بالكرامة، بدلاً من آليات التنفيذ المنظَّمة.
الحل لا يكمن في مزيدٍ من القوانين، بل في سدّ فجوة التنفيذ عبر نظامٍ منظَّمٍ للمحضِرين القضائيين (Bailiffs). والبنية اللازمة لذلك قائمةٌ بالفعل: شركات الأمن المرخّصة من وزارة الداخلية تملك الكوادر والانضباط والإطار القانوني الذي يؤهّلها — بعد تدريبٍ وترخيصٍ متخصص — للقيام بدور المحضِر القضائي المنفِّذ لأحكام التحصيل. بهذا ننقل التحصيل من منطقةٍ رماديةٍ يحكمها البلطجة، إلى إطارٍ قانونيٍّ منضبط، يحفظ حق الدائن وكرامة المدين معاً، ويُخضِع عملية التنفيذ لرقابةٍ واضحة. إنه حلٌّ يحوّل التحصيل من عبءٍ على سمعة القطاع إلى وظيفةٍ مؤسسيةٍ محترمة.
**المشكلة الثانية: التلاعب بالبيانات وثغرات النظام**
هذه — في تقديري — أخطر من الأولى، لأنها تمسّ جوهر الثقة في القطاع بأكمله. تكشف الشكاوى المتداولة نمطاً مقلقاً: تسجيل مواطنين كضامنين لقروضٍ لا يعلمون عنها شيئاً، وفتح قروضٍ جديدة بأسماء عملاءَ سُدِّدت قروضهم السابقة وأُغلقت رسمياً، واستغلال بياناتٍ شخصيةٍ ورقمٍ قوميٍّ بقيت محفوظةً في أنظمة الشركة بعد انتهاء العلاقة التعاقدية. وحين تُنسب هذه الوقائع إلى “خطأ في النظام”، يصبح السؤال المشروع: هل هو خطأٌ تقني، أم ثغرةٌ متعمَّدةٌ يستغلّها بعض العاملين للتزوير والاختلاس وتوريط العملاء في مبالغَ لا علم لهم بها؟
أياً كان الجواب، فإن العلّة واحدة: نظام بياناتٍ مركزيٌّ قابلٌ للتعديل من الداخل دون أثرٍ ثابتٍ لا يُمحى. وهنا تحديداً يقدّم العصر الحلّ: تقنية سلسلة الكتل (Blockchain). فالدفتر الموزَّع غير القابل للتعديل (immutable distributed ledger) يجعل كل عمليةٍ — منح قرض، تسجيل ضامن، إغلاق دين، تعديل بيانات — مسجَّلةً بختمٍ زمنيٍّ دائمٍ لا يستطيع أي موظفٍ محوه أو تغييره بأثرٍ رجعي. ومن يُسجَّل كضامن، يُسجَّل بموافقةٍ موثَّقةٍ على السلسلة لا يمكن انتحالها. ومن سُدِّد قرضه، يُقفل قرضه إقفالاً نهائياً لا رجعة فيه. تختفي الثغرة لأن البنية ذاتها لم تَعُد تسمح بوجودها.
وليست هذه رفاهيةً تقنية. فمصر تملك بالفعل بنيةً رقميةً متقدمة، ومنظومة I-Score للاستعلام الائتماني، وبيئةً تنظيميةً منفتحةً على التكنولوجيا المالية. ربط منظومة التمويل الاستهلاكي بسجلٍّ موزَّعٍ — تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية — خطوةٌ ممكنةٌ تقنياً، ومنطقيةٌ رقابياً، وحاميةٌ للمواطن والشركة الشريفة على حدٍّ سواء.
**خلاصة**
الشكاوى التي تتصدّر الصحف اليوم ليست إدانةً للتمويل الاستهلاكي كفكرة، بل إدانةٌ لغياب البنية التنفيذية والرقابية المناسبة لحجمه. القطاع نفسه — بشركاته الجادة المرخّصة — هو المتضرر الأول من هذه الممارسات، لأنها تلطّخ سمعةً يحتاجها لجذب التمويل والشراكات الدولية.
الحلّان المطروحان لا يتطلبان ثورةً تشريعية: نظام محضِرين قضائيين مبنيٌّ على شركات الأمن المرخّصة القائمة، وسجلٌّ موزَّعٌ بتقنية البلوك تشين يحمي بيانات العملاء من التلاعب الداخلي. الأول يعالج فجوة التنفيذ، والثاني يعالج فجوة الثقة. وكلاهما يحوّل الرقابة من ردِّ فعلٍ على الأزمات إلى بنيةٍ تمنع وقوعها.
وكما أسلفتُ في المقال السابق: تشديد الرقابة ليس عدوّ النمو، بل شرطه. والقطاع الذي يحمي عميله، يحمي نفسه أولاً.
بقلم: سمير العلايلى
المؤسس والرئيس التنفيذي لمجلس إدارة مجموعة إنفستيا كابيتال



