اخر الاخبارتحليلات ومقالات

محمد خطاب يكتب .. الحديث عن تنظيم السوق العقاري .. يحتاج الى تنظيم

منذ سنوات طويلة والسوق العقاري المصري يعاني من حالة مزمنة من غياب التنظيم الحقيقي .. غياب لا ينعكس فقط على شكل السوق .. بل يمتد اثره الى كل الأطراف دون استثناء .. الدولة – العملاء – المطورون – المستثمرون – وحتى مستقبل القطاع نفسه

وربما المشكلة الأكبر .. أن الجميع تضرر .. والجميع أيضا يتحمل جزءا من المسؤولية

– الدولة تخسر المليارات من الحقوق غير المنظمة سواء في ملفات التسجيل او الضرائب او اليات الرقابة والمتابعة.
– العملاء دفعوا ثمن الفوضى من مدخراتهم وأعمارهم .. بين مشروعات متعثرة .. ووعود غير منضبطة .. وتسويق منعزل احيانا عن القدرة الحقيقية على التنفيذ.
– اما المطورون الجادون والملتزمون .. فكانوا من أكثر الأطراف تضررا .. لأن السوق غير المنظم لا يكافئ الانضباط بقدر ما يسمح أحيانا بتمدد الممارسات غير المهنية على حساب الكفاءة والالتزام.

وفي وسط هذا المشهد .. اصبح الحديث عن “تنظيم السوق العقاري” يتكرر بصورة لافتة خلال الفترة الأخيرة.
لكن السؤال الحقيقي هنا ..
هل نحن امام مشروع حقيقي للتنظيم؟
أم مجرد حالة من التهدئة اللفظية ومحاولة طمأنة السوق؟

لأن التنظيم الحقيقي لا يقاس بعدد التصريحات .. بل بوضوح الرؤية والإجراءات والمؤسسات.

منذ سنوات، ونحن ننتظر صدور قانون اتحاد المطورين العقاريين .. باعتباره أحد الأدوات المهمة التي كان من المفترض أن تسهم في ضبط السوق .. وخلق مرجعية مهنية وتنظيمية واضحة للقطاع.
ورغم اهمية الفكرة .. لم يصدر القانون حتى الآن .. وكأن الملف يتحرك في دائرة من النقاشات المؤجلة.

ثم مؤخرا تصاعد الحديث عن إنشاء كيان مستقل لتنظيم السوق العقاري .. خاصة بعد تصريحات السيد رئيس الوزراء حول وجود توجه لتأسيس جهة مستقلة تتولى تنظيم القطاع.
لكن حتى هذه اللحظة .. لا تزال الصورة ضبابية

ما طبيعة هذا الكيان؟ .. هل هو جهة رقابية أم تنظيمية أم تنفيذية؟ .. من أعضاؤه؟ .. ما صلاحياته؟
ما علاقته بالجهات القائمة بالفعل؟
وما الملفات التي سيبدأ بها؟
هل سيبدأ بالتراخيص؟
أم بحوكمة البيع والتحصيل؟
أم بتنظيم التسويق العقاري؟
أم بحماية حقوق العملاء؟
أم بملفات التسجيل والتصنيف والملاءة المالية؟
لا أحد يعلم.

والمشكلة هنا ليست في غياب الإجابات فقط .. بل في أن السوق لم يعد يحتمل رفاهية “الحديث المفتوح” عن التنظيم دون خطوات واضحة وملموسة.

لأن اخطر ما يمكن أن يحدث لأي قطاع .. هو أن يتحول مفهوم التنظيم إلى مجرد شعار إعلامي .. بينما تستمر الفوضى كما هي على أرض الواقع.

السوق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الكلمات الكبيرة بقدر ما يحتاج إلى بداية حقيقية .. حتى وإن كانت تدريجية.
لا أحد يتوقع أن يتحول قطاع بهذا الحجم والتعقيد إلى نموذج مثالي بين ليلة وضحاها.
لكن على الأقل .. نحتاج أن نشعر أن هناك طريقا واضحا بدأ بالفعل.

نحتاج أن نعرف ما هي أولويات الإصلاح؟
وما هي المعايير التي سيتم على أساسها ضبط السوق؟
ومن سيحاسب من؟

لأن المشهد الحالي تجاوز مرحلة القلق من غياب التنظيم .. الى مرحلة أكثر خطورة
اصبحنا نتحدث كثيرا عن التنظيم .. دون ان نرى التنظيم نفسه.
ولهذا اعتقد أن المرحلة الحالية لا تحتمل المزيد من العناوين العامة أو التصريحات الفضفاضة.

فقبل الحديث عن تنظيم العقار ..
يجب اولا تنظيم الحديث عن التنظيم.