د. أحمد جلال شقوير : (ثلاث وصايا لاستثمار الشهر الكريم)

(ثلاث وصايا لاستثمار الشهر الكريم)
مع قدوم الشهر الكريم، يُطْرح سؤال عريض:
كيف أستثمر رمضان؟
غير أن السؤال الأدق، والأكثر جوهرية الذي ينبغي أن يُسْأَل ليس سؤال الكيف، بل سؤال الماهية: ما رمضان؟
إذ لا يمكن_عقلًا_ للإنسان أن يستثمر زمنًا يجهل طبيعته، ولا أن يغتنم موسمًا لم يدرك خصائصه…
ومن هنا، فرمضان ليس مجرد وعاء نضع فيه أعمالًا صالحة، بل هو زمن له طبيعة خاصة؛ فالأزمنة لا تتساوى…
نعم، رمضان شهر القرآن، والغفران، شهر العتق من النيران، شهر مضاعفة الأجر، و ليلة العمر، ليلة القدر…. وفي الجملة:(رمضان موسم ربح عظيم).
ومن ثَمَّ أذكر نفسي وإياك_أيها الصائم الحبيب_ بهذه الوصايا السِّتّ؛ لنربح معًا بتلك الفرصة العظيمة:
(١)
أما الأولى: (فابدأ بالنِّيَّة الصَّافية):
وكن حريصًا على حضور قلبك في كل عبادة؛ فأخطر ما يواجه الإنسان في رمضان هو تحويله إلى قائمة مهام: صيام، قيام، ختمات…دون حضور القلب الذي هو موضع نظر الله، وعليه يدور قبول العمل أو رده.
واعلم أن نقصان الأعمال مع زيادة الصدق، خير من كثرتها بلا أثر.
فربّ عبادةٍ صغُرت في عين صاحبها، عظُمت عند الله بصدق النيّة وحضور القلب.
قال ﷺ::”إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى”[متفق عليه].
(٢)
وأمَّا الثَّانية: (فقم بترتيب أولوياتك):
وقدِّم الأصول على الفروع…
وابدأ من حيث يبدأ البناء الصحيح؛ فلا تُزيَّن الجدران قبل تثبيت الأعمدة…
فمن أراد بركة رمضان، فليقدّم الأصول على الفروع، والفرائض على النوافل.
فكن محافظًا على الصلاة في أوقاتها، فهي ميزان الاستقامة، وأول ما يُسأل عنه العبد، وأدِّ الحقوق، وردّ المظالم؛ فما قُبل عملٌ تعلّق بذمّة، ولا زكَّت العبادة قلبًا ظَلَم أو قَصَّر.
ثم بعد ذلك، أكثر من النوافل ما استطعت؛
فالفرائض عماد الدين، والنوافل زينة، ولا تغني الزينة عن أساسٍ مهدوم…
في(صحيح الإمام البخاري) قال ﷺ: يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: “ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ… “.
(٣)
وأمَّا الثالثة: (فمع القرآن):
ليكن تعاملك مع القرآن تعامُلَ مَن يُخاطَب، ويستقبل من ربه رسائل، لا مَن يُنهي وِردًا.
واعلم أن الاستثمار الحقيقي للقرآن ليس بكثرة الصفحات، وإنما بصدق الوقوف بين يدي المعنى؛ حين يتحوّل النصّ من آياتٍ تُتلى، إلى مرآةٍ ترى فيها نفسك، ومواضع خللك، ومواطن تقصيرك.
فليس المهمّ: أين وقف الخيط في المصحف؟
وإنما أين وقف قلبك من خطاب ربّك؟!
وما الذي تغيّر فيك بعد القراءة؟!
في(شعب البيهقي)، عن سيدنا ابن مسعود قال: “اقرءوا القرآن، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة”.
اللهم أعِنّا على اغتنام شهر رمضام، واجعلنا من الفائزين…
د. أحمد جلال شقوير



