اخر الاخبارمسؤولية مجتمعية

الشيخ مبروك وجيه : الصوم وتزكية النفس

الحمد لله والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الطيبان الزكيان الدائمان المباركان علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم
وبعد
فمن مقاصد الصيام الجليلة أنَّّ فيه تزكية للنفس وتنقية لها من الأخلاق الرذيلة ؛ خاصَّة أنَّه شرع في شهر من خصوصيَّاته تصفيد الشياطين ، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال:(إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنَّة ، وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين) أخرجه البخاري ومسلم.
ولهذا يُضيِّق الصوم مجاري الشيطان في بدن الإنسان ـ وكما هو معلوم ـ فإنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، إلاَّ أنَّه بالصيام يضعف نفوذه ، فإذا أكل المرء أو شرب انبسطت نفسه للشهوات ، وضعفت إرادتها ، وقلَّت رغبتها في العبادات، وفي الحديث:(إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) .
زاد بعض الصالحين :
(فضيِّقوا مجاريه بالصوم) قالوا : إنَّ التضييق عليه يكون بتضييق مجاريه بالجوع ومنه الصوم ، فالجوع يكسر الشهوة ، ومجرى الشهوات الشيطان ، ولهذا كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يوصي الشباب ـ والذين تموج بهم عواصف الشهوات ، وتكون غرائزهم مهيأة لاقترافها أكثر من غيرهم ـ بالزواج ؛ فإن لم يستطيعوا إليه سبيلاً ، فإنَّ أنجع طريق لهم مقيِّدة لشهواتهم وكسر حدَّتها ؛ الصيام ؛ فيقول ـ عليه السلام ـ:(يا معشر الشباب : من استطاع منكم الباءة فليتزوج ؛ فإنَّه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء) متفق عليه
يقول ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ :(وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة ، والقوى الباطنة ، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها ، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحَّتها ؛ فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات)(زاد المعاد)
ويقول الإمام الكمال بن الهمام ـ أحد فقهاء الحنفية ـ في فوائد الصوم:( أنَّ الصوم يسكن النفس الأمَّارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج ؛ ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء ، وإذا شبعت جاعت كلُّها)ا.هـ من فتح القدير.
إن للصوم تأثير كبير في دفع الشهوات وكسر حدَّتها ، ولهذا يقول المصطفى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ :(الصوم جُنَّة) متفق عليه
ومعنى جُنَّة: أي درعٌ واقية من الإثم في الدنيا ، ومن النار في الآخرة ، وفي الحديث الآخر:(الصيام جنة من النار كجنَّة أحدكم من القتال) أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبَّان عن عثمان بن أبي العاص . وفي الحديث الآخر:(الصيام جنَّة ، وهو حصن من حصون المؤمن ) أخرجه الطبراني عن أبي أمامة
ومما قاله الشيخ الدكتور: مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ حين ذكر حديث:(الصوم جنَّة) ثم عقَّب قائلاً: فقد قدَّم الحكمة من الصيام ثمَّ بيَّن آدابه ، ليكون أوقع في النفس وأعمق أثراً ، وليكون المؤمن أكثر اطمئناناً إلى العبادة حين يؤدِّيها ، وإلى التشريع حين ينفذه)
وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم