اخر الاخبارتحليلات ومقالات

الشيخ محمود محمد عبد العظيم : ليلة النظرة والنداء الخالد

أول ليلة من رمضان

*«يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أقبِلْ»*
ليس كمثلها ليلة، ولا يشبه زمانها زمان؛ ففي كل عامٍ يعود هذا الموعد ليجدد فينا الأمل، ويحيي فينا ما أماتته الغفلة، نحن الآن على موعدٍ مع انقشاع الظلمة وبزوغ فجر الأرواح؛ حيث تستعد السماء، وتتأهب الأرض لاستقبال فيضٍ مدرارٍ من السكينة.

وما إن يغيب شفق آخر يوم من شعبان، ويعلن الهلالُ ميلادًا جديدًا، حتى يسري في الكون شعورٌ غريبٌ لا يشبه سواه؛ إنها *”أول ليلة من رمضان”* ، تلك الليلة التي لا تُقاس بالساعات والدقائق، بل تُقاس بحجم الرحمات التي تتنزل فيها، وبالتغيير الجذري الذي تحدثه في موازين الأرض والسماء.

مع إطلالة هلال الشهر الكريم، تتجلى الحقيقة بأن هذه الليلة ليست محطةً للصوم عن الشهوات فحسب، بل هي “إعلانٌ ربانيّ” يبدأ عهدًا جديدًا من الخيرات والبركات والرحمات؛ إذ تشهد قوانين الكون الروحي انقلابًا جذريًا لصالح الإنسان، مصداقًا للحديث النبوي الشريف الذي صور لنا هذا المشهد العظيم في قوله ﷺ: *«إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ»* [سنن ابن ماجه].

*تخيل المشهد بعين قلبك:* أبواب الجحيم تُوصد الآن إكرامًا لك، وأبواب الجنة الثمانية تُفتَح على مصراعيها استعدادًا لاستقبالك، في مشهدٍ مليء بالخير والبركة؛ حيث تُكبل قوى الشر ليخلو العبدُ بربه دون تشويش، وتصبح النفسُ أقرب ما تكون إلى فطرتها النقية.

ولعل أعظم ما في هذه الليلة هو ذلك الصوت الخفي الذي يتردد صداه في الأرواح، حين ينادي منادٍ: «يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أقبِلْ، ويَا بَاغِيَ الشَّرِّ أقْصِرْ»؛ إنه نداءٌ يحمل في طياته شحنةً نفسيةً هائلة، فهو لا يطلب منك المستحيل بل يدعوك فقط لـ “الإقبال”، حيث خطوةٌ واحدةٌ منك يقابلها باعٌ من الكرم الإلهي؛ إنه عرضٌ مغرٍ لكل من أثقلته ذنوب العام، ولكل من شعر بالوحشة في دروب الحياة المادية القاسية.

ولعل من أرقّ الأوصاف التي أطلقها السلف على هذه الليلة أنها “ليلة النظر”؛ استنادًا لما رُوي عن الحبيب ﷺ: *«إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ -عز وجل- إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا»* [فضائل الأوقات للبيهقي]، فياله من طمعٍ مشروعٍ في كرم الله! يدفع المؤمن لأن يحرص على أن يكون في تلك الساعات في حالٍ يرضي الله؛ حيث يقضي هذه الليلة واقفًا على بابه، أو تاليًا لكتابه، أو جابرًا لخاطر مسكين، لعل تلك النظرة تصيبه فتسعده سعادةً لا يشقى بعدها. لذا؛ فإن التعامل مع الليلة الأولى لا ينبغي أن يكون تعاملًا روتينيًا، بل يجب أن يكون تعامل “المغتنم”؛ لأنها ليلة “عقد النية”، والنية هنا ليست مجرد تمتمة باللسان، بل هي عزيمة القلب وعقد العزم يقينًا وتصديقًا بأن يكون هذا الشهر نقطة تحول حقيقية.
نسأل الله أن يغنمنا بركات الشهر.

الشيخ محمود محمد عبد العظيم
الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف