اخر الاخبارتحليلات ومقالات

الشيخ ياسر عدلى : ( أهوال القيامة)

أمر “الله” “إسرافيل” أن ينفخ في الصور النفخة الثالثة؛ ألا وهي نفخة البعث؛ كما قال تعالى:
﴿ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون﴾
[الزمر: 68]

إذا بعث “الله” الخلائق جميعا؛ فإن أول من يبعث هو “الحبيب المصطفى” ﷺ، كما في صحيح مسلم من حديث “أبي هريرة” رضي الله عنه، أنه قال:
“انا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع”
— بأبي هو وأمي وروحي ﷺ

أيها الأفاضل: بعث “الله” الخلائق جميعا من لدن “ادم” الى آخر رجل قامت عليه الساعة؛ ليقف الجميع بين يدي “الله” جل جلاله، قال تعالى:
﴿ان كل من في السماوات والارض الا اتي الرحمن عبدا * لقد احصاهم وعدهم عدّا * وكلهم اتيه يوم القيامة فردا﴾
[مريم: 93–95]

تجمعت البشرية كلها، وإذا بـ”الملك” — جل جلاله — يرسل ملاكا من ملائكته ليقودهم الى “ارض المحشر”، الى ارض جديدة.

قال تعالى:
﴿يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار﴾
[ابراهيم: 48]

ولقد وصف لنا نبينا المختار ﷺ — بأبي هو وأمي وروحي — هذه الأرض وصفا دقيقا، فقال كما في الصحيحين من حديث “سهل بن سعد الساعدي” رضي الله عنه أن قال رسول الله ﷺ:
“يحشر الناس يوم القيامة على ارض بيضاء عفراء، كقرصة النقّي”

ارض جديدة لم يسكب عليها دم، ولم ترتكب عليها خطيئة.
ارض بيضاء، صافية، شديدة البياض، “كقرصة النقّي” اي كالدقيق الابيض، الشديد البياض، الخالي من الغش والنخالة، تأمل هذا الوصف النبوي!

قال “سهل” او غيره:
“ليس فيها معلم لاحد”
اي ليس فيها العلامات التي كنا نعلم بها الطرقات في ارضنا او في دنيانا، وليس هناك بيت، ولا شجر، ولا نهر!

فهي ارض اخرى تختلف تماما عن الارض التي عاش عليها البشر آلاف الاف السنين.

قال سبحانه:
﴿ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا﴾
[الكهف: 47]

ويبدأ الناس في تصنيف عجيب، فيحشر صنف على قدميه، وفي هذا الهول الرهيب، وفي هذا الكرب العصيب، وصنف عندما يبعث من القبور يرى ملائكة العزيز الغفور في استقباله وانتظاره، وقد هيئت له من ركائب الاخرة ما لا يعلم جمالها الا من اعدها؛ من هؤلاء؟ هؤلاء هم السعداء، قال تعالى:
﴿يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا﴾
[مريم: 85]

اي ركبان؛ فالتقي عندما يبعث من قبره، ربما كان في الدنيا فقير لا يجد دراجة، وربما لا يجد حمار ليركبه، اما في الاخرة فهو لا يمشي خطوة واحدة على قدميه؛ بل يجد من ركائب الاخرة ما هيئ له، والملائكة في استقباله وانتظاره؛ لتقول له: اركب، ولتبشره بهذه البشري:
﴿الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾
[فصلت: 30]

انظر الى حفاوة الملائكة بهذا الصنف الكريم!!

يبشر هذا الصنف بالجنة حال خروجه من القبر، ويسألهم المتقون: من انتم؟ بشرکم الله بالخير؟ فياتي الجواب:
﴿نحن اولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الاخرة، ولكم فيها ما تشتهي انفسكم، ولكم فيها ما تدعون﴾
[فصلت: 31]

اللهم اجعلني وإياكم من المتقين.

اذا شعر الناس في هذا اليوم بالفزع والخوف، فان المتقين يكونون في امن وامان؛ قال تعالى:
﴿ان المتقين في مقام امين﴾
[الدخان: 51]

لا يفزعون اذا فزع الخلق، ولا يحزنون اذا حزن الخلق.

والصنف الثالث: اول ما يبعث من القبر يمشي على وجهه!! هل تتصور هذا المشهد؟ والله مشهد يخلع القلوب، تصوّر وانت تمشي في ارض المحشر او وانت راكب، فترى صنف من الخلق امامك وخلفك وعن يمينك وعن شمالك يمشون على وجوههم! ترى قدمه الى اعلى ووجهه على الارض!! مشهد عجيب، قال “الله” عز وجل:
﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما صما مأواهم جهنم كلما خبّت زدناهم سعيرا﴾
[الاسراء: 97]

وروى الترمذي في السنن من حديث “ابي هريرة” رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
“يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة اصناف: صنفا مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم”

فقالوا:

يا رسول الله! وكيف يمشون على وجوههم؟
فقال: “ان الذي امشاهم على ارجلهم قادر على ان يمشيهم على وجوههم، اما انهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك”

حدب: اي مكان مرتفع.

وفي رواية البخاري ومسلم من حديث “انس” رضي الله عنه:
ان رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟
قال: “اليس الذي امشاه على رجليه في الدنيا قادرا على ان يمشيه على وجهه يوم القيامة؟”
قال قتادة: بلى وعزة ربنا.

ونحن جميعا نقول: بلى، وعزة ربنا، انه لقادر.

انها مشاهد رهيبة؛ فهناك صنف ركّاب معزز مكرم، وهم اهل الايمان، اهل التقوى، اهل الاستقامة، اهل التوحيد، اهل الاتباع، وصنف يمشي على قدميه، وصنف يمشي على وجهه.

اذا ما وصلت الخلائق جميعا الى ارض المحشر، وارجو ان تتدبر معي بقلبك وسمعك وعقلك وكيانك وانت ترى البشرية كلها من لدن “ادم” الى اخر رجل قامت عليه الساعة في ارض واحدة، في موقف واحد على ارض المحشر، ثم دنت الشمس من الرؤوس، ولا يعلم حقيقة هذه الشمس الا “الله”، قال عز وجل:
﴿يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار﴾
[ابراهيم: 48]

من حديث “المقداد بن الاسود” رضي الله عنه، قال النبي ﷺ:
“تدنى الشمْس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل”

قال “سليم بن عامر”: فوالله ما ادري ما يعني بالميل، ام مسافة الارض، ام الميل الذي تكتحل به العين؟
قال: “فيكون الناس على قدر اعمالهم في العرق، فمنهم من يكون الى كعبيه، ومنهم من يكون الى ركبتيه، ومنهم من يكون الى حقويه، ومنهم يَلجم العرق إلجاما”، قال: واشار رسول الله ﷺ بيده الى فيه.

ثم يزداد الهم والكرب بعد كل ذلك!! هل هناك كرب اخر اشد؟ نعم، ما هو هذا الكرب؟

“يؤتى بجهنم” يا رب سلم!
﴿وجيء يومئذ جهنم يومئذ يتذكر الانسان وانى له الذكرى * يقول يا ليتني قدّمت لحياتي * يومئذ لا يعذب عذابه احد ولا يوثق وثاقه احد﴾
[الفجر: 23–26]

يقول الصادق ﷺ، الذي يصف لنا أهوال هذا اليوم وصفا دقيقا كأننا نراه — بأبي وأمي وروحي — كما في صحيح مسلم:
“يؤتى بجهنم يومئذ” اي الى ارض المحشر، “لها سبعون الف زمام، مع كل زمام سبعون الف ملك يجرونها” يا رب سلم!!

فاذا رأت جهنم الخلائق، زفرت وزمجرت غضبا منها لغضب ربها جل جلاله؛ فان الحق سبحانه وتعالى يغضب في هذا اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، كما قال رسول الله ﷺ — صلوات الله عليهم اجمعين — في حديث الشفاعة الشهير الذي سيأتي بطوله…
لذلك لا ينبغي تناسي الآخرة والرسايل التى نلتقاها كل يوم لتذكرنا باليوم الموعود.
أيها الأحبة في الله، بعد أن تأملنا معًا وصف أرض المحشر وأهوال يوم القيامة، ورأينا فضل المتقين وعظمة مشاهد هذا اليوم العظيم.
والله نسأل ان يصرف عنا عذاب جهنم ، إن عذابها كان غراما.

الشيخ ياسر عدلي