مسؤولية مجتمعيةاخر الاخبار

الشيخ مبروك وجيه: الغيرة في بيت النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الاكملان الطيبان الزكيان الدائمان المباركان علي سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم
وبعد
لقد كان الورع وتقوى الله ، هو القاعدة الصلبة التي تنكسر عندها : رغبات النساء الطبيعية، وغيرتهن ، وتنافسهن في الزوج الواحد ؛ فلم يكن الشيطان يطمع أن يظفر من بيت النبوة، بمكيدة توقع في بلية ، وحاشاهن من ذلك كله ، وهن الطاهرات المطهرات .
قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك : ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي ، فَقَالَ : (يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ ؟ مَا رَأَيْتِ ؟ ) ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا ” قَالَتْ عائشة: ” وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ “.
رواه البخاري ومسلم
ولا يمنع ذلك كله أن يحدث بينهن ، رضوان الله عليهن جميعا ، ما يحدث بين النساء البعيدات من الغيرة الطبيعية ، فكيف بمن كن ضرائر عند رجل واحد ؛ فكيف إذا كان الرجل الذي يجمعهن : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أشرف الخلق قاطبة ؟!
عن عروة بن الزبير : ” أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا ، قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ ، فَجَاءَ ، فَرَأَى مَا أَصْنَعُ ، فَقَالَ : ( مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ ؛ أَغِرْتِ ؟ ) .
فَقُلْتُ : وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ ؟!
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ ؟ )
قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوْ مَعِيَ شَيْطَانٌ ؟
قَالَ : ( نَعَمْ ) .
قُلْتُ : وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ ؟
قَالَ : ( نَعَمْ ) .
قُلْتُ : وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
قَالَ : ( نَعَمْ ؛ وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ ) .
روى مسلم .

قال السندي رحمه الله :
” قَوْله ( فَقَالَ قَدْ جَاءَك شَيْطَانك ) أَيْ فَأَوْقَعَ عَلَيْك أَنِّي قَدْ ذَهَبْت إِلَى بَعْض أَزْوَاجِي فَأَنْتِ لِذَلِكَ مُتَحَيِّرَة مُتَفَتِّشَة عَنِّي ” انتهى من “حاشية السندي على النسائي” .

إن من ينفي وقوع الغيرة بين التقيات من الضرائر ، لم يعرف طبيعة النساء ، وما جبلهن الله عليه ؛ لكن المقصد : أن الورع ، وتقوى الله ، يمنع غائلة ذلك ، ويعصمهن عن البغي والفساد.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم ، ربما يقع عنده الأمر من ذلك ، والبادرة من تلك البوادر ، فيذهب ثورتها وحدتها ، بحكمته ، وعدله ، وقسطه ، صلى الله عليه وسلم :
كما في البخاري عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ” كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِه ِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَة ِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ ، وَيَقُولُ: (غَارَتْ أُمُّكُمْ ) ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ “.

وكان صلى الله عليه وسلم ، ربما مزج بذلك القسط ، شيئا من اللَّطَف ، والفكاهة ، فحال الأمر إلى طيب وبشر ، بعد ما كاد يكون حِدة ، أو منافرة :
روى أبو يعلى في مسنده عن عَائِشَةَ قَالَتْ: ” أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَزِيرَةٍ قَدْ طَبَخْتُهَا لَهُ ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ ـ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ـ : كُلِي، فَأَبَتْ ، فَقُلْتُ: لَتَأْكُلِنَّ أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ وَجْهَكِ ، فَأَبَتْ ، فَوَضَعْتُ يَدِي فِي الْخَزِيرَةِ ، فَطَلَيْتُ وَجْهَهَا ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَضَعَ بِيَدِهِ لَهَا، وَقَالَ لَهَا: ( الْطَخِي وَجْهَهَا ) ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا ، فَمَرَّ عُمَرُ ، فَقَالَ: ( يَا عَبْدَ اللَّهِ ، يَا عَبْدَ اللَّهِ )، فَظَنَّ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ، فَقَالَ: (قُومَا فَاغْسِلَا وُجُوهَكُمَا) ”
وحاصل ذلك كله :
أن المطلوب من المؤمن ، والمؤمنة في مثل ذلك ، وفي الأمر كله : ألا ينساق وراء طبائع النفوس ، أو أهوائها ، بل يجعل تقوى الله هو العاصم له من البغي والعدوان ، ويجعل الرباط بينه وبين عباد الله المؤمنين : الأخوة في الله ؛ والله جل جلاله لم يمدح عباده المؤمنين بالعصمة عن دواعي الهوى ، بل مدحهم بمخالفة أهوائهم ، ومجاهدة نفوسهم في ذات الله ؛ قال الله تعالى : ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) النازعات/37-41 .

وصلي الله تبارك وتعالى علي الحبيب المصطفى وعلي آله وصحبه وسلم

الشيخ مبروك وجيه
إمام وخطيب بوزارة الاوقاف