اخر الاخبارتحليلات ومقالات

الشيخ ياسر عدلى : لماذا الخجل من المدح!

من أسوأ ما شاع في عصرنا التعامل مع المدح بمنطق السوق وقوانين البيع والشراء، وعلى طريقة “شيلني وشيلك” أي امدحني وأمدحك، وأثن على علمي وكتبي لأبادلك ثناء بثاء، وأمثال هؤلاء لا يمدحون إلا شلتهم ومعارفهم، ويتوسعون في ذلك جدا أما من هم خارج الشلة فكأنما يقتطع أحدهم من لحمه، ولا يعيره التفاتا وكأنما لا يعرفه ولم يسمع به!

من كان مادحا لا محالة فلا يمدح إلا بحق، وإلا بما علم، ودون غلو أو إفراط، وليقدم مدحه بما قاله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلاَنًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ» (رواه البخاري ومسلم).

سؤال
لماذا نخجل من الكلمات الجميلة؟ الوجه الآخر لضعف الثقة بالنفس*

من أخفى أشكال “ضعف الثقة بالنفس” اللي بيقع فيها ناس كتير من غير ما ياخدوا بالهم … هو “الحساسية من المدح أو الثناء” …

بمعنى إن لما حد يوجهلك نوع من المدح أو المجاملة الصادقة في شيء من أخلاقك أو مهاراتك أو سلوكياتك عموما … تبقى حاسس بعدم ارتياح، وتحاول تتجنب هذا المدح، أو حتى في بعض الأوقات تحاول تنكره وتتملص منه، أو تحس إنك غير جدير بيه أصلا …

وبالرغم إن الحساسية دي بتكون ناتجة عن رغبة صادقة في التواضع، وخوف من الوقوع في الكبر أو الخيلاء أو إنك تبقى شايف نفسك أحسن من الآخرين … إلا إن الحساسية دي بتكون ناتجة عن نفس الخلط المفاهيمي اللي بيوقع الناس في الكبر أصلا! …

والمقصود بالخلط ده هنا هو الخلط بين مفهوم “الذات” وبين المفاهيم الأخرى العرضية زي الأخلاق والمهارات والسلوكيات …

بمعنى إنك تعتبر أخلاقك أو مهاراتك أو سلوكياتك، بتعبر عن ذاتك أو عن شخصك … وإنك لو مثلا أخلاقك كويسة فده عشان انت أصلا شخص كويس، ولو أخلاقك سيئة فده عشان انت أصلا شخص سيئ! … ودول في الحقيقة مفهومين مختلفين تماما! …

زي بالظبط لو جبت أحدث وأغلى كمبيوتر في العالم … فهل الكمبيوتر ده لو شغل فيروسات يبقى هو كده كمبيوتر وحش ومالوش قيمة؟ … لأ طبعا … الكمبيوتر “ذاته” حاجة، والسلوكيات اللي ممكن تصدر منه حاجة تانية خالص …

الكمبيوتر ذاته ثابتة … المعالج والماذربورد والرامات وكارت الشاشة …

أما السلوكيات اللي بتصدر من الكمبيوتر، فده شيء متغير … أحيانا هتكون كويسة وأحيانا هتكون وحشة، حسب المدخلات اللي داخلة للكمبيوتر في الوقت الحالي …

فنفس الفكرة بالظبط … انت ذاتك “كبني آدم” شيء … وأخلاقك ومهاراتك وسلوكياتك شيء تاني … ذاتك ثابتة، وتصرفاتك متغيرة …

فالحساسية من المدح اللي بنتكلم عنها بتيجي من الخلط ده … إن لما حد يمدحك، تبقى متخيل إنه هو كده بيمدح “ذاتك” … فتحس إنك هتتنفخ وتتكبر وإن ذاتك أحسن من ذوات الآخرين … فتخاف وتحاول تتجنب المدح ده من بابه أو تنكره أو تعتبر نفسك غير جدير بيه …

لكن لو أخدت المدح ده على إنه موجه لأخلاقك أو مهاراتك أو سلوكياتك … فانت عارف كويس إن دي حاجة متغيرة … قابلة إنها تزيد أو تقل أو تُكتسب أو تُفقد … فمش بتحس أصلا بالنفخة دي لأنك عارف إن المدح ده مش موجه لذاتك الثابتة وإنما موجه لأمور أخرى متغيرة ممكن تفقدها في أي وقت …

فلما تعرف تعمل الفصل ده بين ذاتك وبين الأمور العرضية الأخرى … هتلاقي نفسك بتاخد الموضوع ببساطة أكتر … بل المدح اللي بيتوجهلك ده هتعرف توظفه صح … لأنه ممكن ينبهك لنقاط تميز ممكن تطورها أكتر، أو تسعى إنك تحافظ عليها بدل ما تفقدها …

فخلاصة الكلام، إن زي ما المبالغة في المدح مذمومة، فكذلك المدح المعتدل والمجاملة الصادقة من أجمل أشكال التواصل الإنساني واللي بتشجعنا على الخير وبتساعدنا نطور من نفسنا ونحسن سلوكياتنا … والنبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه في مواقف كتير إنه كان بيمدح أصحابه رضي الله عنهم …

فمش من الصحي خالص إننا نرفض أي مدح أو مجاملة خوفا من الوقوع في الكبر أو الإعجاب بالنفس … لأننا نقدر نوظف المدح ده بشكل سليم لو قدرنا نفصل بينه وبين ذواتنا، لأننا عارفين كويس إنا ذواتنا متساوية في القيمة ومفيش حد في ذاته أحسن من حد .
وأخيرا، إذا علمت أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمة ويشين إلا الله وحده، فعليك بنصيحة ابن القيم حيث قال: “ازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه”.
ولنكثر من هذا الدعاء
اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون واغفر لنا مالا يعلمون.
الشيخ ياسر عدلى